قبل أيام، كنت أتصفح مجلة "كاتب" التي أصدرتها الإعدادية المركزية سنة 1968 لأكتب عنها مقالا يوثق لها وللعاملين فيها من طلبة وأساتذة، ووجدت أن الصديق العزيز والمؤرخ البارز عبدالتواب أحمد سعيد أستاذ التاريخ الحديث في كلية الآداب بجامعة الموصل حاليا، قد كتب مقالا في العدد الثالث الصادر في يناير/كانون الثاني عام 1972، وكان يعمل مدرسا للتاريخ فيها.
ولفت نظري أن عنوان المقال هو "ماهية التاريخ"، ووقع باسمه ملحقا بعبارة "مدرس الاجتماعيات سابقا والمعيد في هيئة الإنسانيات – جامعة الموصل". وهيئة الإنسانيات - كما هو معروف - هي نواة كلية الآداب القائمة في يومنا هذا.
ويدل مضمون المقال على أن عبدالتواب أحمد سعيد كان من المولعين بالتاريخ، وطمح لإكمال دراسته، لذلك تقدم للتعيين في هيئة الإنسانيات، ولما يمض على تأسيسها بضعة أشهر. وقد احتضنه الدكتور عبدالمنعم رشاد المؤرخ الكبير - وكان عميدا لهيئة الإنسانيات آنذاك - هو وزميله ناطق مطلوب صالح (الأستاذ الدكتور فيما بعد). وعهد إليهما تنظيم شؤون المكتبة والهيئة والاستعداد لفتح دراسات تاريخية عليا. ومن الطريف أنهما قبلا في هذه الدراسات، لكن أسبابا إدارية وفنية حالت دون إكمال المشروع فتأجل فتح الدراسات العليا لسنوات طويلة أخرى امتدت حتى الثمانينيات من القرن الماضي.
المهم أن عبدالتواب أحمد سعيد كتب في مقالته البكر: "إن التاريخ ما هو إلا علم وأدب، ولكنه أدب تقيده أصفاد الحقيقة القاسية، ويكمن اهتمامنا به لأنه يعود بنا إلى شيء مضى، ولكنه موجود ومؤثر على حياتنا الحاضرة".
ومما ذكر في المقال أن التاريخ يُعنى بالماضي لفهم الحاضر فهو، كما يقول إدوارد كار في كتابه "ماهو التاريخ؟"، "حوار لا ينتهي بين الماضي والحاضر ودراسته تطلعنا على حقائق ناصعة عن الأسلاف وأسلوبهم في العمل والحياة. وهو سيرة الإنسان في كل مكان. وعلى دارس التاريخ أن يستخدم ذهنه الوقاد وفكره لفهم حوادث الماضي بعد أن يناقشها ليستوعبها. ونحن ندرس التاريخ نبغي فهمه لنكون فكرة عن جذور حاضرنا ومعرفة دورنا في تاريخ البشرية الطويل".
ويقينا أن هذا المقال ينبئ بمؤرخ فذ أو بعبارة أدق لمشروع مؤرخ سيكون له باعه الطويل في إعداد أجيال وأجيال من دارسي التاريخ ليس في جامعة الموصل وحسب بل في جامعات عربية أخرى.
ولد عبدالتواب أحمد سعيد في مدينة الموصل عام 1945، وتخرج في قسم التاريخ بكلية الآداب/ جامعة بغداد في عام 1966 بتقدير جيد جداً، وحصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث من مصر عام 1978 بتقدير ممتاز.
يتحدث عن نفسه بصيغة المبني للمجهول فيقول: "في عمر صغير جداً اتجه نحو التاريخ والشغف به، فكان له من الوعي ما يكفي أن يتابع عبر الراديو والصحف ما كان يجري في مصر عام 1954 حافظاً أسماء الذين قيل إنهم حاولوا اغتيال الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر. وفي 1957 انضم إلى جمعية تاريخية في إحدى المدارس المتوسطة بالموصل مبتدئاً بذلك نصف قرن من المطالعة التاريخية وغيرها، وتم قبوله خلالها في قسم التاريخ بكلية آداب جامعة بغداد عام 1962 عندما ترسخت لديه خلال الدراسة تلك أهمية التاريخ للإنسان، ونال قسطاً جيداً من أسلوب التدريس والبحث من خلال أساتذة مرموقين درس على أيديهم منهم الراحلون الدكاترة صالح أحمد العلي وجعفر خصباك وعبدالمنعم رشاد وحسن إبراهيم حسن وغيرهم.
في الإعدادية المركزية بالموصل، حيث عُين مدرساً فيها بعد تخرجه مباشرة، حرص على تنبيه عقول التلاميذ وتشجيعهم على كتابة التقارير لدفعهم نحو المطالعة دائماً دون اهتمام للكتاب المنهجي المقرر، ثم انتقل عام 1967 للعمل معيداً في هيئة الإنسانيات - كلية الآداب لاحقاً بالموصل وموجهاً للطلاب في كتابة بحوثهم التاريخية معززاً اهتمامه بالكتاب من خلال إشرافه المباشر والشخصي على تأسيس مكتبة الكلية ورفدها بأمهات المصادر المعروفة قبل أن يتوجه إلى مصر لإكمال دراسته العليا، حيث تعلم هناك على أيدي شيوخ التاريخ الحديث ومنهم الراحلان الدكتور أحمد عزت عبدالكريم والدكتور عبدالعزيز سليمان نوار اللذان حرصا على إقامة الحلقات النقاشية (السمنارات) أسبوعيا بما يفيد في تفتح الأذهان والنظر إلى دراسة التاريخ نظرة علمية موضوعية حيادية.
وخلال الدراسة توجه إلى بريطانيا لتعزيز مصادر رسالته للماجستير عن "العراق والقضية الفلسطينية" بالوثائق، والتعرف على أسلوب المؤرخين الإنكليز العلمي في التعامل والتوثيق والتحليل والتأليف.
عاد إلى العمل في الموصل خريف عام 1978 وهو مسلح بكم طيب من المعارف والآراء مقتنعاً بأن التاريخ ليس سرداً لحوادث ماضية مسجلة في الكتب وإنما هو في الواقع (أفكار البشر) عبر الزمن الذي عاش فيه الإنسان، وبما يجعل التاريخ (الحياة نفسها) وما فيها من أحلام وآمال وآلام ومُثل وقيم للإنسان، وراح يضخ أفكارا دائمة للطلاب.
عاد وهو مصمم على تدريس التاريخ لا بأسلوب الرواية والسرد، وإنما بأسلوب، ذكر منه المؤرخ ابن خلدون حين وصف التاريخ بأنه علم وفن، وهكذا حرص كل الحرص على التحليل والتفسير من رواية ما حدث مع الحرص - بكل وسيلة - أن تكون المحاضرة مشوقة للطلاب ودسمة في المعلومات. ورواية التاريخ تصبح صعبة إذا كانت الأحداث قريبة، غير أنه لم يكترث لذلك مطلقاً وكان يبادر إلى نقد ما يحدث دونما خشية من احد إلا الله مما عرضه إلى مشاكل إدارية وشخصية جعلته يعزف عن إكمال الدكتوراه.
أنجز خلال عمله بحوثاً عدة استهدف العديد منها الكشف عن أسرار دفينة في تاريخ العراق ومن تلك البحوث: "العراق في تقارير السفير البريطاني كينهان كورنواليس"، و"حول النشاط الفرنسي في شمال العراق"، و"دور مؤتمرات القمة في تحقيق التضامن العربي" وغيرها. كما أسهم في عدد من الندوات العلمية.
وتوجه إلى ليبيا للعمل بها عام 1993، وظل هناك سبع سنوات وحرص على تنبيه الطلبة إلى ما يجري من حولهم فتفتحت أذهانهم، وربما صاروا ثوّاراً وعمل على تصحيح بعض من أفكارهم ومواقفهم الخاطئة، ومن ذلك اعتقادهم بأن الوجود العربي الإسلامي في الأندلس لم يكن إلا "استعماراً واحتلالاً!".
وفي العودة إلى جامعة الموصل بعد سقوط النظام السابق، والاحتلال الأميركي في التاسع من أبريل/نيسان 2003، بدأ عمله بالإشراف على طلبة الماجستير حاثاً لهم دوماً على إبراز شخصيتهم في البحث وتحليل النصوص وتفسير الأحداث، لا مجرد النقل وتنظيم النصوص والإكثار من الصفحات والمراجع، وحثهم على الشجاعة في طرح آرائهم في الأحداث الحسّاسة، ومن تلك البحوث: "سعيد النورسي ودوره السياسي في تركيا"، و"الفرسان الحميدية"، و"العراق والقضية الفلسطينية"، و"أثر النفط في تحديث دولة قطر 1970-1980" وغيرها.
كما أسهم في ندوات ومحاضرات عامة ألقاها بكلية الآداب – جامعة الموصل وخارجها، وكان له نشاط إعلامي أيضا في الصحف وبعض محطات التلفزيون، وبما ينفع المستمع والقارئ من الطرح التاريخي مع شعوره بأن أمامه مشوارا طويلا للتعلم.
أرخ لبعض نشاطاته الصديق الموسوعي الدكتور صباح نوري المرزوك في "معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000" الذي أصدره بيت الحكمة ببغداد 2002 فقال إنه كتب رسالته للماجستير بعنوان "العراق والقضية الفلسطينية بين 1936 -1947" وقدمها إلى جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية سنة 1978 وهي غير منشورة.
كما أنجز بحوثا عدة منها بحثه الموسوم "صفحات من تاريخ عربستان الحديث"، ونشر في مجلة آداب الرافدين العدد 14 سبتمبر/ أيلول 1981 وبحثه الموسوم "المملكة العربية السعودية والقضية الفلسطينية 1936 - 1947 ونشره في مجلة آداب المستنصرية 1985.
ا.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث – جامعة الموصل (العراق)